صحة نفسية

في معنى أن تُحِب وأن تُحَب ..

نشر في 02/09/2026بواسطة مها الشمري

أظن أن مفهوم الحب من أكثر المفاهيم تعقيدًا وغموضًا وجاذبية، وعند الحديث عنه فإننا نتحدث عن الإنسان، عن روابطه وعلاقاته

عالم النفس التحليلي الاجتماعي ايريك فروم عرض في كتابه “فن الحب” تساؤلًا وفرضيةً عامة تقول:

هل الحب فنّ قابل للمعرفة والتعلم والممارسة؟ أم هو وليد الصُدفة والمفاجئة والحظ؟

أكدّ في فرضيته أن الحب هو توجّه وموقف تجاه الحياة ككلّ وفنّ قابل للتعلّم كما الفنون الأخرى. لكن مامنع الإنسان هو تبنّي بعض الافتراضات المغلوطة والتي ساهم في وضعها التاريخ، وتطور الإنسان والمجتمعات، ورسمها الإعلام وحصرها في إطار واحد

(الحب الرومانسي وما نشاهده في الأفلام)

الافتراض الأول المغلوط هو أن الإنسان يجب عليه أن يسعى لأن يكون جاهزًا للحُب، أن يكون بمواصفات ومعايير مُعينة ليجد الحب، مواصفات كالجمال والثراء إلى القوة والنجاح وغيرها. فيكون الإنسان في حالة بحث مستمر لإيجاد أفضل شخص متاح في سوق المجتمع، بنظرة مادية بحتة. (لانغفل طبعًا تأثرنا بذلك، الإشكالية في أُحادية النظرة).

أما الافتراض المغلوط الآخر هو أن الكثير من البشر يظنّون أن من السهل جدًا أن تُحِب، الصعوبة فقط في إيجاد الشخص المناسب للحب!.

وافتراض ثالث هو بالخَلط مابين التجربة الأوليّة المبدئية للحب وبين أن تكون في حالة حب. الخلط بين الإنجذاب الأولي، الشرارة الأولى، شدة الإعجاب وبين المعنى الحقيقي للحب. فكأن بانتهاء الشرارة ينتهي الحب، وبذلك حُصِر مفهوم الحب

فالإنسان هُنا في حالة انتظار أو في حالة لَوم مستمر أو في حالة بحث مُجهدة لإيجاد تلك الشرارة في العلاقات وبدونها لايوجد حبّ.

قد يكون مخيبّا للآمال أن الحب الحقيقي والناضج من زاوية النظر النفسية التحليلية هو بعيد كُل البُعد عن ما نشاهده ونفترضه في مخيلتنا

لكن مامعنى الحب الناضج؟ وماهو الحب الحقيقي؟

مامعنى أن يكون الحُب فنًّا كما الفنون الأخرى؟ كيف يكون أمرًا قابلًا للتعلم والممارسة؟

في نظريته عن الحب رأى إيريك الحب بزوايا متعددة، منها أنه أعمق احتياجات الإنسان، وشرطٌ أساسي لوجوده الإنساني، وبدونه لاوجود للإنسان. احتياج أساسي للصِلة، للارتباط، لتكوين علاقة أيّا كان شكلها.

فالحب هُنا بمعنى الصِلة والارتباط، مع الآخر، مع العالم الخارجي، مع الحياة

لكن كيف تتكون هذه الرابطة ابتداءً؟

تتكون من خلال العلاقة الأولى، الارتباط الأول بين الأم ورضيعها. ينشأ الرابط الأول ونكبُر ونستدخل نموذجًا لماهية الحُب وشكل الروابط والعلاقات. وتبدأ أنماطنا في التعلقّ بالتشكلّ، وأي تعثرّ في تلك الروابط تعثرّ في نمونا.

يعرض إيريك أنواعًا من الحب؛ كالحب الأمومي والحب الحميمي وحب الذات وغيرها. فالإنسان مابين رابط أوليّ أساسه الاحتياج الشديد للآخر، إلى الرغبة بالاتحاد والتكامل معه. ومابين مايحدث في تلك الروابط من شدّ وجذب، وانصهار وذوبان، و هيمنة وخضوع، واعتمادية واستقلالية، وزهد وإيثار، تنشأ قِصصًا لاحصر لها يعيشها الإنسان بحثًا عن رابط متين مستقر يجد فيه ذاته عِوضًا عن فقدها.

أما عن الوصول لحب ناضج حقيقي يتطلّب الأمر لذلك رابط آمن، وثقة راسخة تُبنى على أرض التجربة مع الآخر . الآخر الحاضر، برباط متين يتزعزع نعم لكن لاينقطع ، فتتماسك بذلك ذات الإنسان وتتحد مع الآخر تحت شرط الحفاظ على تكامل كل فرد بفرديته الخاصة، وتحدُث في تلك اللحظة معجزة الحب؛ يتحدّ الاثنان ليصبحان واحدًا ومع ذلك يظلّان اثنان! هو في الوقوف في الحب لا الوقوع فيه.

ذكر أيضًا إيريك مبادئ نحافظ بها على روابطنا وعلاقاتنا، من اهتمام فعّال وأصيل بأنفسنا ومن نُحبّ إلى حسّ بالمسؤولية كفعل إرادي بالمُطلق، إلى الاحترام الذي يتضمن إدراك تفّرد واختلاف الاخر، مع غياب استغلاله كُليّةً ومع شرطيّة أن الاحترام الحقيقي لايكون إلا على أساس تحرر الإنسان وتحقيقه للاستقلال مع ذاته أولًا. إلى المعرفة العميقة لا السطحية، المعرفة الموضوعية بأنفسنا وبمن نُحبّ. وتتداخل العناصر ويُكمل بعضها الآخر لنحافظ بذلك على علاقات أكثر صدق وأصالة واستقرار.

والمفارقة العجيبة أن حُب الآخرين مرهون بحُبّ الذات. وحب الذات هُنا بعيد كل البُعد عن الأنانية والاستئثار بالنفس وطمس الآخر، حب الذات طريق أول لمحبة الآخرين ويتطلب تركيزًا واهتمامًا نشطًا ومعرفةً بالذات ومسؤولية تجاهها. فعلاقة الإنسان بالآخرين؛ شكلُها وألوانها مرهونة بعلاقته مع ذاته.

أما عن كيف نعكس الحب؟ بالتركيز والصبر كما قال ايريك. وأظن أيضًا أن يتواضع الإنسان ابتداءً. أن يحمل الإنسان مسؤولية حياته، وأن يقف عن اعتبار نفسه والآخرين إما ملائكةً أو شياطين. أن نُقِرّ أن الخير والشر، الحب والكره ليست بمعزل عن بعضها البعض. وأن نخفف من تحيزنا ونستحضر الموضوعية تجاه أنفسنا والآخرين. وأن نُدرك أن الإنسان بدون الحب والرحمة سيختار الكُره والقسوة طريقًا ومنهجًا للحياة

لكن؛ ماذا عن تجارب تتكرر، عن أنماط تتشابه في علاقتنا بلا وعي منا، ماذا عن النموذج الموروث لمعاني الحب والمحبة؟ ماذا عن ثقافة، إعلام، ساهم في حصر المعنى؟ ماذا عن حبّ لايُعرَف شكله ولا لونه؟ ماذا عن زمن تسارع فيه كل شيء بما فيهم علاقات الإنسان؟

تظل الاسئلة مفتوحة، ويظل الإنسان أعظم إعجاز وأكبر تعقيد.